مــــرحــــــباَ بـــأحـبـــاب الله مــعــاَ

في طريق الجنة


الجمعة، 29 أبريل 2011

تفسير سورة الصافات

تفسير سورة الصافات



بسم الله الرحمن الرحيم


الآيات 1 ـ 5


( والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلاهكم لواحد * رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق )


يقسم الله بعرض لصفوف من الملائكة مختلفة الوظائف وقدرته فى خلقهم بأن من خلق هو الله الواحد الذى خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهن وأنه هو الذى خلق المشارق والمغارب بسبب دوران الأرض حول الشمس


وهذا من الإعجاز العلمى فى القرآن يثبت حركة الأرض حول الشمس فتتكون مشارق على كل بلد تشرق عليه الشمس وتتكون مغارب على كل بلد تغرب من عليه الشمس بسبب الدوران حول المحور


وقيل تفسيرات أخرى فى معنى الزاجرات : أنها ما زجر الله عنه فى القرآن


التاليات : الملائكة تتلوا القرآن من عند الله للناس


الآيات 6 ـ 10


( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب )


يخبر سبحانه وتعالى عن قدرته فى أنه زين السماء الدنيا بالكواكب والنجوم والأقمار تضئ لأهل الأرض وحفظها من الشياطين المتمردة ( مارد ) التى كانت تصعد لتتسمع إلى القلم وهو يكتب الأقدار وينقلون الخبر لأوليائهم من الكهنة ولكى لا يصلوا إلى السموات العلا والملائكة ( الملأ الأعلى ) فجعل فيها الشهب التى يقذف بها الشياطين فتحرقهم من كل جانب من السماء


ويرجمون ويمنعون ( دحورا ) ولهم فى الآخرة العذاب الموجع ( واصب )


ومن خطف الخبر وحاول الهرب يتبعه الشهاب ليحرقه .


الآيات 11 ـ 19


( فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا ، إنا خلقناهم من طين لازب * بل عجبت ويسخرون * وإذا ذُكروا لا يذكرون * وإذا رأوا يستسخرون * وقالوا إن هذا إلا سحر مبين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون * قل نعم وأنتم داخرون * فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون )


اسأل يا محمد هؤلاءالمكذبون من أشد خلقا السموات والأرض والملائكة والشياطين أم خلقهم هم ، الذين خلقتهم من الطين اللزج الذى يتماسك ببعضه ؟


وإذا كان كذلك فلم ينكرون البعث ؟


أنت يا محمد تعجب من أمرهم وإنكارهم وهم يسخرون مما تقول


ويصرون على عدم التصديق


وكلما رأوا دلائل على صحة ذلك يستهزئون


ويقولون إن هذا سحر واضح


ويتعجبون هل بعد أن نموت وتتفرق أجزائنا نحن وآبائنا يعيدنا الله مرة ثانية ؟


قل لهم نعم يعيدكم وأنتم عندئذ حقيرون تحت قدرة الله وعظمته


فما هى إلا دعوة واحدة من الله فتصحون وتخرجون وتأتون من فوركم إلى الله عز وجل تنظرون أهوال القيامة .


الآيات 20 ـ 26


( وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون )
ويوم القيامة يجد الكفار الخوف والحسرة ويقولون هذا يوم القيامة يا ويلنا


فتقول لهم الملائكة إنه يوم القيامة الذى كذبتم به


فيأمر الله الملائكة بأن يجمعوا الكفار وأمثالهم وما عبدوا فى الدنيا ويلقونهم فى نار الجحيم


( أزواجهم ) : أمثالهم


( قفوهم ) : احبسوهم وأوقفوهم حتى يسألون عما فعلوا


ويقال لهم ماذا حدث كيف لا تتناصرون كما زعمتم ؟


إنهم اليوم منقادون لله ولا يحيدون عن أمره
الآيات 27 ـ 37


( وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان ، بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنا ، إنا لذائقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا إذا قيل لهم لآ إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون * بل جاء بالحق وصدّق المرسلين )


ويوم القيامة يقبل الكافرون على بعضهم ويتسآءلون ويتعاتبون ويلقى اللوم بعضهم على بعض


يقول الضعفاء لساداتهم الذين قادوهم فى الدنيا للكفر ، أنتم الذين أشرتم علينا بذلك


فيقول ساداتهم لا بل أنتم كنتم غير مؤمنين


ولم يكن لنا عليكم من سطوة وإجبار لهذا الشرك منكم ، إنكم كنتم خارجين عن الحد


لقد حكم الله علينا ونحن مثلكم فى العذاب


إذا كنا أغويناكم فنحن أيضا مثلكم فى الغواية


وهم يوم القيامة حينئذ مشتركون فى العذاب


وهكذا يكون حال المجرمين يوم القيامة من العذاب


فهم يستحقونه لأنهم كانوا إذا قيل لهم قولوا لا إله إلا الله يتكبرون ويكذبون


ويقولون لا يحق لنا أن نترك آلهتنا ونسير خلف شاعر مجنون ـــ يقصدون محمد صلى الله عليه وسلم


لا إنه ليس بشاعر ولا مجنون ولكنه رسول الله حقا وجاء بالحق كما جاء المرسلون من قبله .


الآيات 38 ـ 49


( إنكم لذآئقوا العذاب الأليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون * إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكة وهم مكرمون * فى جنات النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنهن بيض مكنون )


إنكم أيها المشركون ستذوقون العذاب المؤلم بسبب ما فعلتم


ولكن عباد الله الذين أخلصوا العبادة لله لهم الجنة ( رزق معلوم )


يكرمون فيها بكل الطرق المختلفة المتنوعة ( فواكه )


ينظرون إلى بعضهم البعض على سرر متكئين


ويمر عليهم ولدان بكئوس من خمر لذيذ طعمها طيب ولونها طيب تختلف عن خمر الدنيا


( لا غول ) غير متعبة للبطن


و ( عنها ينزفون ) لا تذهب عقولهم


وعندهم الزوجات ( قاصرات الطرف ) عيونهم قاصرة عن النظر لغيرهم عفيفات


توصف جمالهن بأنهن كالبيض المحفوظ عن اللمس كاللؤلؤ .


الآيات 50 ـ 61


( فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قال قائل منهم إنى كان لى قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطّلعون * فاطلع فرآه فى سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون )


وهنا يخبر الله عز وجل عن تساؤلات أهل الجنة


فيسألون عن أحوالهم وما كانوا عليه فى الدنيا وهم يتسامرون على سررهم يحكون


يقول أحدهم لقد كان لى شيطان ( أو قيل القرين السيئ من الإنس ) يوسوس لى ويقول أنت تصدق ما يقوله محمد هل بعد أن نموت ونصير ترابا وعظاما نعود ثانية للحياة ونحاسب على أعمالنا ؟


( مدينون ) : محاسبون


هل رأيتم إنه هذا الكافر أصبح الآن فى وسط الجحيم بتكذيبه وينظرون فيجدونه فى النار


( قال تالله إن كدت لتردين ) : فبيول المؤمن للكافر والله لقد كدت أن تهلكنى معك لو أطعتك


ولولا فضل الله علىّ لكنت من المحضرين معك فى العذاب


ثم يقول فرحا : لسنا بميتين ثانية ولن نعذب ثانية والله لقد فزنا بالجنة فوزا عظيما


ثم يقول أهل الجنة : لمثل هذا النعيم حق أن يعمل من أراد خيرا من أهل الدنيا
الآيات 62 ـ 70


( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم * طلعها كأنه رؤوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم * إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون )


يقول الله تعالى حال المؤمنين هذا أفضل أم حال الكفار الذين هم فى الجحيم يأكلون من شجر الزقوم التى تنبت من أصل الجحيم


وهى فتنة للناس فمنهم من يصدق بها ومنهم من يكذب ويقولون كيف أن شجر ينبت فى النار ألم تأكله النيران


وهذه الشجرة طلعها ( عضو الذكورة فى النبات ) شكله مثل رؤوس الشياطين بشع المنظر


إنهم سيأكلون منها ويملؤن بطونهم بسوء طعمها وسوء ريحها


ثم يشربون عليها مزجا من الحميم وهو الصديد والزيت المغلى الذى يسيل أمعاءهم


ثم بعد نعيمهم فى الدنيا يرجعون إلى هذا الجحيم والعذاب


هذا نتيجة أنهم اتبعوا آباءهم فى الضلال وجروا على طريقتهم


الآيات 71 ـ 74
( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * إلا عباد الله المخلصين )


لقد ضل كثيرا من الأمم السابقة بنفس هذه الطريقة


وقد أرسلنا فغيهم النبيين والرسل


ولكن دمر الله المكذبين ونجى الرسل ومن اتبعوهم ممن أخلصوا العبادة لله .


الآيات 75 ـ 82


( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه فى الآخرين * سلام على نوح فى العالمين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين )


ولما قال الحق أن هناك أمم سابقة ضلوا فأخذهم العذاب ، بدأ يعرض بعضا منهم :


هذا نوح عليه السلام وجد التكذيب والأذى من قومه 950 سنة ، فنادى ربه


يقول أنى مغلوب فانتصر لدينك وللمؤمنين ، ونعم المجيبون هو الله


نجاه الله وأهله معه من الضيق والكرب ودمر الخلق جميعا وأبقى أهل نوح الذين آمنوا معه


وأصبح ذرية نوح هى الناس جميعا الباقية


( تركنا عليه فى الآخرين ) : أصبح الثناء والحديث الحسن بين الآخرين من الناس لنوح وذريته


وهذا هو الثناء الحسن على نوح ( سلام من ربه ) بين الأمم كلها إلى يوم القيامة


وهذا هو الجزاء لمن أحسن وآمن وعمل صالحا


فهو عبد الله المؤمن


وأغرق الله الكفار جميعا ولم يبق أحد منهم


الآيات 83 ـ 87


( وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين )


ومن أهل دين وسنة نوح كان إبراهيم


لقى الله بقلبه السليم من الشرك على كلمة التوحيد


ينكر على أبيه وقومه عبادة الأصنام


يقول لهم ماذا تعبدون من دون الله هل تريدون باطلا غير الله؟


ما ظنكم أن الله فاعل بكم وأنتم تعبدون غيره ؟
الآيات 88 ـ 98


( فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين )


وتوضح الآيات فى القرآن الكريم أن إبراهيم عليه السلام فكر وتدبر بالفطرة على أن للكون خالق مدبر


نهى قومه عن عبادة الأصنام ، ولكن أباه رفض أن يعقل


وعظ أهل بابل وكسر أصنامهم ، ووعظ أهل حران وراجعهم عن عبادة الكواكب


ماذا فعل بالأصنام ..؟


كان لهم عيد يخرجون للإحتفال به خارج البلاد


طلب آزار من ابنه إبراهيم الخروج معه ،


فتعلل إبراهيم وقال أنه مريض ( سقيم )


تركه آزار وعمد إبراهيم إلى الأصنام التى كانوا قد وضعوا أمامها الطعام والشراب وأخذ يوبخهم أنهم لا يأكلون ولا يشربون ، لماذا لا تتكلمون ؟


وأخذ القدوم وصار يضرب أعناقها ويكسرها وترك الكبير منها وعلق فى رقبته القدوم


عاد القوم ورأوا ما كان عليه من حال الأصنام وسألوا إبراهيم


فقال إنه كبيرهم فاسألوه .... وكيف تعبدون ما لا ينطقون وتتركون عبادة الله الذى خلقكم وخلقهم ؟


ففكروا لحظة فوجدوا أنهم مخطئون فى زعمهم أنهم آلهة


ولكن الكبر والعتو عاد لنفوسهم وأمروا بمعاقبة إبراهيم


كيف عاقبوه ...؟


جمعوا الحطب وأوقدوه فى حفرة كبيرة حتى أن المرأة إذا مرضت تنذر إذا عوفيت أن تحمل الحطب


لتوقد به حريق إبراهيم وذلك لمدة كبيرة من الزمن ، حتى تأججت


ثم وضعوا إبراهيم فى كفة منجنيق ( مثل كفة الميزان ) صنعها رجل من الأكراد يسمى هزن


( وهو أول من صنع المجانيق ـ آلات حربية ـ فخسف الله به الأرض )


كتفوا إبراهيم وهو يقول " لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك "


وعندما ألقوا به فى النار قال : " حسبنا الله ونعم الوكيل "


قال محمد صلى الله عليه وسلم :" لما ألقى إبراهيم فى النار قال : اللهم ‘نك فى السماء واحد وأنا فى الأرض واحد أعبدك "


ظهر جبريل لإبراهيم يعرض له المساعدة ، وعرض له ملك المطر العون ،


ولكن الله كان أسرع منهم إجابة فقال : ( يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم )


وعاش أربعين يوما لا يشعر بحر النار وفى روضة خضراء لا تمسه النار


ونصره الله عليهم


الآيات 99 ـ 107


( وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين * رب هب لى من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا ، إنا كذلك نجزى المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم )


وبعد أن نجاه الله من الكفار هاجر من بينهم وقال : (وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين )


ودعا ربه بأن يعوضه عن قومه وعشيرته بالذرية الصالحة فدعا ربه وقال : (رب هب لى من الصالحين )


( فبشرناه بغلام حليم ) :


بعد مضى عشرون سنة ببيت المقدس قالت سارة لإبراهيم أن يتزوج من جاريتها هاجر ليرزق منها الولد لأنها عاقر


وولدت هاجر إسماعيل وكان لإبراهيم 86 سنة


( فلما بلغ معه السعى ) : ولما كبر وترعرع وبدأ يسعى ويعمل مع أبيه قال له :


(يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا ، إنا كذلك نجزى المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم ) :


وهنا قصة الذبيح اسماعيل وهى كالآتى :


فلما بلغ اسماعيل سن الشباب وبدأ يسعى مع أبيه فى شئون الحياة ، رأى إبراهيم عليه السلام ـ ورؤيا الأنبياء حق ـ فى المنام أنه يذبح ابنه ، ولده العزيز الذى رزقه الله به وهو قد بلغ من العمر 86 سنة وبعد أن امره الله أن يسكنه وأمه بلاد قفراء بلا أنيس ولا زرع ولا ماء ، وليس له غيره


ولكنه يسارع إلى طاعة ربه وعرض الأمر على ولده كى لا يأخذه على غرة ، ويسارع الإبن للإستسلام لأمر ربه ويشجع الأب على تنفيذ ما أمر الله به


( تله للجبين ) : ألقاه على وجهه لئلا يشاهده فى حال ذبحه وسمى إبراهيم واستشهد الإبن لملاقاة الرب


أمر السكين على حلقه فلم تذبحولم تقطع


ونودى يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ونجحت أنت وإبنك فى الإختبار الواضح


وجعل الله له فداء بكبش أبيض أقرن ، رآه مربوطا بشجرة صغيرةمن أشجار الطلع ، فى فجوة جبل وعليه قطعة من الصوف الأحمر ، وقيل أنه الكبش الذى قدمه هابيل ولد آدم عليه السلام وتقبل منه وكان يرعى فى الجنة أربعين خريفا


فذبحه إبراهيم بمنى وقيل فى مقام إبراهيم .


الآيات 108 ـ 113


( وتركنا عليه فى الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحاق ، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين )


وهكذا ظلت أنباء إبراهيم بين الناس سيرة طيبة وعليه بركات وسلام من ربه وهذا جزاء من أحسن وأخلص لله العمل وهو من المؤمنين الصالحين


ثم بشره الله كمزيد من المكافأة له بإسحاق وهو فى سن التسعة والتسعين من زوجته سارة فى سن التسعين وجعله نبيا من الصالحين وكان من ذرية إسماعيل وإسحاق من هم مؤمنون وآخرون غير ذلك ظالمون لأنفسهم


الآيات 114 ـ 122


( ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ونصرناهم فكانوا هم الغالبين * وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما فى الآخرين * سلام على موسى وهارون * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين )


وهذا موسى وأخوه هارون أنبياء الله


نجاهم الله وقومهما بنوا إسرائيل وفرج كرباتهم فقد كان فرعون يقتل أبناءهم ويترك النساء ويسخرهم فى الأعمال المرهقة الدنية


ونصرهم الله على فرعون وأعوانه وجعلهم يأخذون أرضهم وأموالهم


وأنزل على موسى التوراة بها الطريق المستقيم الواضح هداه


وأبقى لهم الذكرى الجميلة بين من بعدهم


ولموسى وهارون السلام والجزاء من ربهما والرحمة لأنهما كانا مؤمنين بالله صالحين العمل


وهكذا يجازى الله من آمن وعمل صالحا مخلصا لله
الآيات 123 ـ 132


( وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه فى الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين )


وهذا إلياس ( إدريس ) نبى الله


وقصته :
إدريس عليه السلام


ويسمى أيضا ( إليا س )


* هو الجيل السابع من ولد آدم


* وهو أول نبى بعد آدم عليه السلام


* أدرك من حياة آدم 308 سنة


* أول من خط بالقلم على الرمل


" سؤل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالقلم فقال " إنه كان نبى يخط به فمن وافق خطه فذاك " ـــــــ يعنى له مثل فضله من الكتابة
* أول من لبس المخيط ، وكان كلما غرز بالإبرة قال ( سبحان الله )


فأخبر الله الملك أنه يرفع له مثل عمل بنو آدم جميعهم فى عصره


فأحب أن يزداد فطلب من صديق له من الملك أن يكلم له ملك الموت ليدعه أكثر وقت ممكن حتى يزداد من العمل الصالح ، فطار به الملك وهو على ظهره إلى السماء الرابعة ، فقابل ملك الموت وكلمه فى ذلك ، فقال ملك الموت أنه يندهش أن طلب منه قبض روح إدريس فى السماء بالرغم من أنه يعلم أنه يعيش على الأرض


وهذا تفسير قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) : سورة مريم


* عانى النبى إدريس فى سبيل دعوته ولهذا ذكره الله من ضمن الرسل والأنبياء الذين صبروا وعانوا


وكان قومه يعبدون بعل


فقال لهم اتقوا الله كيف لكم تعبدون بعل وتتركون من خلقه وخلقكم الله أحسن الخالقين


إن الله ربكم ورب آبائكم القدامى


ولكنهم كذبوه وهم يحضرون يوم القيامة ليحاسبهم الله


إلا الموحدين منهم المخلصون العمل لله وحده


وترك الله سيرة طيبة لإدريس بين الناس من بعده


وله السلام والرحمة من ربه فهو من المؤمنين الصالحين وهذا هو جزاء كل من آمن وعمل صالحا وأخلص العبادة لله وحده


الآيات 133ـ 138


( وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا فى الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون )


وهذا لوطا وقصته :


هو إبن الأخ لإبراهيم


لوط بن هاران


نزح مع عمه ، وأنزله مدينة سدوم


كان أهلها يأتون المنكر فى ناديهم وفعل الفواحش التى ابتدعوها ولم يكن يعرفها من قبل أحد وهى الشذوذ الجنسى


فكانوا يأتون الرجال بدلا من النساء


وكانوا يفعلون جميع الشرور


نهاهم لوط ولكن دون جدوى مع الإيذاء ، والسخرية منه ومن المؤمنين


أرسل الله لهم ثلاثة ملائكة هم : ( جبريل وميكائيل وإسرافيل )


الذين مروا أولا على إبراهيم وبشروه بمولد اسحاق


ثم أخبروه بأنهم قد أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط ،


وأمروا لوطا أن يترك القرية هو ومن تبعه من المؤمنين ويترك زوجته التى كانت ترسل إلى قومها إذا أتى ضيف الى زوجها ليفعلوا به الفاحشة


وحاول أهل القرية أن يغتصبوا الملائكة الذين ظنوا أنهم شبان حسنة المظهر وقاومهم لوط وقاوموه


ضرب جبريل وجوههم بطرف جناحه فطمست أعينهم كما قال تعالى :


( ولقد راودوه عن ضيفه ، فطمسنا اعينهم ...)


وخرج لوط باهله إلا زوجه ، فاقتلع جبريل بطرف جناحه بلادهم وكانت 7 مدائن بمن فيهن من أحياء وزرع ومبانى وحيوانات ، وقيل كان عددهم 400 نسمة وقيل 4 آلاف نسمة ، ورفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها


ثم أمطرت عليهم السماء حجارة من سجيل ( شديدة الصلابة ) منضود ( يتبع بعضها البعض ) مسومة ( مكتوب على كل حجر اسم من يسقط عليه )


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ولهذا كانت عقوبه اللائط الرجم بالحجارة


وقال صلى الله عليه وسلم " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به "


وقال أبو حنيفة : ( إن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط )


ويقول الله سبحانه وتعالى فى هذه السورة يخبر عن لوط :


فهذا لوط بعث لقومه فكذبوه فنجاه الله هو وأهله إلا إمرأته العجوز فقد هلكت مع قومها ودمر أرضهم وتركها بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والرائحة لما كان يفعل فيها من القبائح وأنتم تمرون عليها ليلا ونهارا أيها المسافرون فلتعتبروا بها وتتعظوا
الآيات 139 ـ 148


( وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين )


أرسل الله نبيه يونس فى قرية نينوى من الموصل ودعاهم فكذبوه وتمردوا وأصروا


توعدهم يونس بالعذاب بعد ثلاث وخرج غاضبا من بينهم ولم يصبر على الدعوة لهم


خاف أهل نينوى وقذف الله فى قلوبهم الإيمان فآمنوا جميعا


وكانت ساعة عظيمة من توبة التائبين والإنابة إلى الله والتضرع والبكاء من النساء والرجال والصبيان والدواب والأنعام


كشف الله عنهم العذاب فى الدنيا والآخرة


مضت الثلاثة أيام وجاء يونس ليرى ما حدث فوجد هم سالمين فأغضبه ذلك


خاف أن يقتله أهل القرية ويظنوه كاذبا فقد كان عقاب من يكذب القتل فهرب منهم


سار حتى شاطئ البحر فوجد سفينة تبحر فطلب من أصحابها أن يأخذوه معهم فأخذوه


اضطربت السفينة وأوشكت على الغرق وأيقنوا أنه لابد من إلقاء أحدهم فى البحر لتستقر بهم


عرض يونس نفسه ليلقوا به ولكنهم رفضوا إذ أنه ضيف استجار بهم ولكنه أصر


اتفقوا على أن يقترعوا فيمن يلقون به وكرروا ثلاث مرات وفى كل مرة تقع على يونس فأيقن أن هذه مشيئة الله وأنه المستهدف


ألقوه فى البحر فابتلعه حوت ضخم


قال تعالى ( وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم )


ساهم : المقصود بها القرعة


أبق : هرب كالعبد


أمر الله الحوت أن لا يهضمه ولا يكسر له عظما وطاف الحوت به البحار كلها


ولما استقر فى بطن الحوت ظن أنه مات ولكنه حرك جوارحه وعلم أنه حى


سجد يونس لله شكرا وعذرا وقال ( يارب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك فيه أحد من قبل ... سبحانك إنى كنت من الظالمين )


وسمع يونس وهو يطوف فى البحر ببطن الحوت أصوات الحيتان والأسماك تسبح فأخذ يدعوا الله حتى أمر الله الحوت أن يخرجه ويلقى به إلى شاطئ أرض لا نبات بها وهو ضعيف البدن


( فنبذناه بالعراء وهو سقيم )


( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين )


فكان إلقائه بأرض لا نبات فيها حتى لا يتلوث بدنه الضعيف العارى وجلده الذائب بالماء المالح


ثم أنبت فوقه شجرة القرع ذات الأوراق العريضة التى من خواصها أنها لا يقف عليها ذباب ولا حشرات


وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل من ثمارها حتى برئ ويبست


فبكى عليها يونس فأوحى له الله عز وجل معاتبا " أتبكى على شجرة أن يبست ولا تبكى على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم


عندما صح جسد يونس خرج يمشى فلقى غلام يرعى الغنم ، فسأله عن قومه فقال إنه من قوم يونس


فطلب منه أن يسلم على قومه ويخبرهم بأنه لقى يونس


فقال له الغلام إن كنت تكذب فإنه من كذب فعقابه القتل فمن يشهد لى ؟


قال تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة


فشهد له الغلام بأنه هو


وكان ذلك حيلة من ذكاء الغلام ليتأكد أنه يونس


فقال يونس للشجرة والمكان : إذا جاء كما هذا الغلام فاشهدا له


قالتا : نعم
وهذا بالطبع من قدرة الله وارادته


فعاد الغلام إلى قومه وأخبر الملك بأمر يونس بعد أن ظنوا هلاكه فى البحر
فأمر الملك بقتل الغلام حيث أنه ظنه كاذبا


فأكد الغلام صدقه وطلب البرهان فأرسل معه بعض خاصته


وشهدت الشجرة والبقعة بما كان بينه وبين يونس


فكرم الملك الغلام وجعله على كرسى الحكم اربعين سنة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم


وكان ذلك من الشهادة بأن يونس كان على حق فيما قال يونس عن ربه وأنه نبى الله
الآيات 149 ـ 160


( فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين * وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين )


جعل المشركين لله تعالى عن ذلك البنات وقالوا أنهم الملائكة


وجعلوا لأنفسهم البنين ، وكرهوا البنات


وبذلك فضلوا أنفسهم على الله .... فاسألهم هل هذا يليق بالله؟


وهل شاهدوا خلق الملائكة حتى يدّعوا ذلك؟


ومن ظلمهم وكذبهم قالوا لله ولد


وقالوا الله فضل البنات لنفسه


كيف لكم بهذا القول والقسمة؟


أليس لكم عقول؟


أم لكم حجة على ما تدّعون ؟


قل لهم هاتوا برهانكم على ذلكإن صدقتم


وقالوا أن الملائكة بنات وأمهاتهن الجن


فتنزه الله وتنزهت صفاته عما يصفونه به


إلا المؤمنين المخلصين فى عبادتهم لله فهم لا يصفون الله بهذه الصفات أبدا


الآيات 161 ـ 170


( فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم * وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون * وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به ، فسوف يعلمون )


( فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم ) : إنكم وما تعبدون من دون الله لن تقدروا على فتنة وإنقياد إلا من هم أصحاب النار من الضالين المكذبون


( وما منا إلا له مقام معلوم) : وقل لهم إنه كل منا له موضع مخصوص فى السموات ومقام للعبادة لا يتعداه


( وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون ) : ونحن نقف صفوفا للصلاة فى طاعة الله ، ونصتف لنسبح الله ونحمده ونمجده وخاضعون إليه




وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به ، فسوف يعلمون ) : وقد كانوا يا محمد قبل أن تأتيهم يتمنون لو كان عندهم من يذكرهم بالله وبما كان من القدماء فى العصور الأولى ولكن عندما أرسلناك لهم كفروا فسوف نعذبهم ويعلمون نتيجة تكذيبهم هذا .






الآيات 171 ـ 179


( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف يبصرون * أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين * وتول عنهم حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون )


وقد سبق أن كتبنا لعبادنا المرسلين فى الكتاب الأول أنهم هم وأتباعهم المنصورون


وأن الله ينصر جنده المؤمنين


فدعك من الكافرين يا محمد واصبر عليهم


وارتقب فسوف يرون ما يحل بهم بسبب تكذيبهم


فهم يستعجلون العذاب بسبب تكذيبهم


ولو أنزلنا عليهم العذاب وبدارهم فسيكون هلاكهم ودمارهم


فدعهم لأجل معلوم


وسترى ويرون


الآيات 180 ـ 182


( سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين )


تنزه الله وتعالى عما يصفونه به الكافرون وتقدست أسماؤه


وللمرسلين السلام فى الدنيا والآخرة


والحمد لله حمدا كثيرا على نعمه .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تمت بحمد الله تعالى .


الثلاثاء، 26 أبريل 2011

تفسير سورة ســـــــــــــبأ

تفسير سورة سبأ



وقبل أن نبدأ السير مع الآيات علينا أن نعلم الآتى :


سبأ بن يشخب


قال ابن اسحاق: ــ وهو أحد علماء النسب ــ أن سبأ هو عبد شمس بن يشخب بن يعرب بن قحطان


وقالوا: هو أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك ، وكان يقال له الرائش لأنه كان يعطى الناس الأموال من متاعه وهو أول من تتوج – وكان مسلما.


كان لسبأ شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه :


سيملك بعدنا ملكا عظيما نبى لا يرخص فى الحرام.


ويملك بعده منهم ملوك يدنيون العباد بغير ذام.


ويملك بعدهم منا ملوك يصير الملك فينا بإقتسام.


ويملك بعد قحطان نبى تقى جبينه خير الأنام.


يسمى أحمدا ياليت أنى أعمر بعد مبعثه بعام.


فأعضده وأحبوه بنصرى بكل مدجج وبكل رام.


متى يظهر فكونوا ناصريه ومن يلقاه يبلغه سلامى.


حكاه ابن دحية فى كتابه ( التنوير فى مولد البشير النذير)


قال بن العباس : إن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ماهو أرجل أم إمرأة أم أرض؟ قال : بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون : فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير. وأما الشامية : فلخم وجزام وعاملة وغسان . ( رواه أحمد


وورد بتفسير عن إبن كثير : أن المقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها وقد كان فيهم التابعة بأرض اليمن واحدهم تُبع وكان لملوكهم تيجان ، وكانت العرب تسمى كل من ملك اليمن وحضر موت : تبعا مثلما كانوا يسمون من ملك الشام مع الجزيرة: قيصر، ومن ملك الفرس: كسرى ، ومن ملك مصر: فرعون، ومن ملك الحبشة: النجاشى ، ومن ملك الهند : بطليموس . ومن جملة ملوك حمير بأرض اليمن الملكة بلقيس . وقد كانوا فى غبطة عظيمة وأرزاق دارة و ثمار وزروع كثيرة وكانوا على طريق الإستقامة فلما بدلوا نعمة الله وعبدوا الشمس وكفروا فى زمن بلقيس وقبلها فى زمن سليمان أرسل الله عليهم سيل دمر بلدهم.تسمى سيل العرم .


ونزلت طوائف منهم الحجاز ومنهم خزاعة بمكة ونزلت عندهم بالمدينة المنورة ثلاث قبائل من اليهود وهم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير الذين حالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم.


ونزلت طائفة من قوم سبأ الشام وتنصروا فيما بعد.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بسم الله الرحمن الرحيم


الآيات 1 ، 2


( الحمد لله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة ، وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وهو الرحيم الغفور )


يخبرنا الله بأن له الحمد لأنه المنعم على أهل الأرض والسماء وله الملك والحكم للأرض والسماء وما فيهن


وهو حكيم فى أوامره وأفعاله خبير بكل شئ وخبير بما يصلح أمور السموات والرض وما فيهن من مخلوقات


ويعلم كل كبير وصغير فى الأرض والسماء ويعلم ما يدخل الأرض من حبوب وأحياء وما يخرج منها من زروع وما ينزل من السماء من ماء ومن رزق وما يصعد فيها من أعمال وهو رحيم غفور لعباده


الآية 3


( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ، قل بلى وربى لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ولآ أصغر من ذلك ولآ أكبر إلا فى كتاب مبين )


ويقول الكفار لن تأتى القيامة ، ويأمر الله رسوله بأن يقسم لهم بأن القيامة آتية من لدن الله عالم كل شئ الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء وهى مكتوبة عنده فى كتاب واضحة جميع أفعال العباد ويعلم أين تفرقت ذرات عظامهم ويجمعها يوم القيامة ليعيد الخلق لمحاسبتهم


الآيات 4 ـ 6


( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا فى آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم * ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد )


يغفر الله لمن آمن وعمل صالحا ويوسع أرزاقهم فى الدنيا والآخرة


أما من سعى فى الصد عن سبيل الله والكفر ومعصية الله فإن الله يعذبهم عذابا أليما


وهؤلاء الذين آمنوا ، شهدوا بأن القرآن الذى أنزل إليك من الله هو الحق و أنه يهدى إلى الخير وإلى الطريق المستقيم واتبعوا طريق الله القوى الذى لا يغالب الحميد فى جميع أوامره وأقواله وأفعاله ويحمد على ذلك .


الآيات 7 ـ 9


( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد * افترى على الله كذبا أم به جنة ، بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب والضلال البعيد * أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ، إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ، إن فى ذلك لآية لكل عبد منيب )


يستهزئ الكفار بالرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون : هذا الرجل يدعى أنكم إذا متم ومزقت أجسادكم فى الأرض تعود أجسادكم مرة أخرى وتتجدد لتحيون من جديد


إنه يفترى الكذب على الله أم أنه مجنون


ثم يرد عليهم الله فيقول : لا بل الكافرون المكذبون بالآخرة هم الذين فى ضلال و محمد على الحق من ربه


فلو نظروا إلى السماء فوقهم والأرض من تحتهم ونظروا لقدرة الله حولهم لعلموا عظمة الله وقدرته


فلو يشأ الله لخسف الأرض بهم أو أسقط عليهم حجارة من السماء ودمرهم بظلمهم


ففى آيات السماء والأرض والخلق عظة ودلائل لقدرة الله على البعث لمن تاب وعاد إلى الله
الآيات 10 ـ ، 11


( ولقد آتينا داوود منا فضلا ، يا جبال أوّبى معه والطير ، وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدّر فى السرد ، واعملوا صالحا ، إنى بما تعملون بصير )


هذا نبى الله داود أنعم الله وتفضل عليه بالملك والنبوة وكانت له الجنود وكان له الصوت العظيم يتلو به كلمات الله بأعزب ما خلق الله من صوت حتى أن الجبال كانت تسبح معه وتقف له الطيور وتسبح مغردة معه تعزبا لصوته الجميل .


وألان له الله الحديد فطوعه لصناعات عديدة بيده وبمطرقته بدون أن يدخله النار وكان يصنع منه الدروع ( سابغات )


ويأمره الله بأن يحكم صنعته للدروع فيجعل المسمار بقدر بحيث لا يدق المسمارفيلقلق فى الحلقة ولا يغلظه فيقصمها وهذا معنى ( قدر فى السرد )


ويأمر بالإصلاح فيما أعطاكم الله كما أعطى داود لأن الله يعلم ويبصر كل عملكم ولا يخفى عليه شئ .
الآيات 12 ـ 14


( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، وأسلنا له عين القطر ، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ، اعملوا آل داوود شكرا ، وقليل من عبادى الشكور * فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين )


غدو : تسير فى الغداة


رواحها : تسير فى العشية


عين القطر : النحاس المذاب المصهور


يزغ : يمل العمل ويعدل عن الطاعة


محاريب : قصور ومساجد


تماثيل : صور مجسمة


جفان : جمع قصعة كبيرة


كالجواب : كالأحواض الكبيرة


قدور راسيات : القدور الثابتة على المواقد


دابة الأرض تأكل منسأته : القوارض تقرض عصاه


خر : سقط


وهذا سليمان ابن داود سخر له الله الريح تجرى مسيرة شهر بالغداة وتجرى شهرا بالعشى وأذاب له معدن النحاس الذائب


وسخر له الجن يعملون بأمرالله ومن يمل عن طاعته يذيقه الله عذاب الحريق


فكانوا يبنون له القصور والمساجد ويصنعون التماثيل من النحاس وقيل من الطين والزجاج ، ويصنعون له القدور العظيمة كأنها جوبة من الأرض وهى أحواض ضخمة وقدور ثابتة فى مكانها من عظمتها


وقال لهم الله اشكروا الله بالعمل الصالح فى طاعة الله فقليل من يحسن العمل كما ينبغى شكرا لله


وكان موت سليمان بأنه كان يستند على عصاه وظنت الجن أنه واقف فظلوا سنوات طويلة على طاعته


ثم قرضت قوارض الأرض طرف العصا فسقطت وسقط سليمان فعلموا أنه قد مات


وهذا يدل على أن الجن لا تعلم الغيب كما كانوا يظنون أو يظن بعض الناس وإلا كانوا علموا أن سليمان قد مات ولما ظلوا على طاعته سنوات
الآيات 15 ـ 19




( لقد كان لسبأ فى مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبه ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى اكل خمط واثل وشىء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا ، وهل نجازى إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ، سيروا فيها ليالى وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ، إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور )


كان سبأ وذريته ملوك اليمن ومنهم يسمون التبابعية ــ ( مثل الفراعنة بمصر ) ومنهم بلقيس ملكة منهم .


وكانت بلادهم متسعة الأرزاق والزروع من ناحيتى الجبلين والبلدة بينهما وبارك الله لهم فى رزقه وكانوا يعبدون الله ويشكروه على نعمه فترة طويلة من الزمن .


ثم تدرجوا فى المعصية و الكفر والشرك فعاقبهم الله بإرسال سيل دمرت الزروع ولم يبق لهم غير الأشجار الغير مثمرة من انبات الأراك ( خمط ) وأشجار السدر ذات الأشواك الضخمة والثمار القليلة وفرقهم فى البلاد بسبب كفرهم ، ولا يعاقب الله إلا الكفور المتشدد فى كفره .


وكان قد جعل الله بينهم وبين قرى الشام وقرى بيت المقدس التى بارك الله فيها قرى أخرى يعرفونها يبيتون فيها عند سفرهم ليسهل عليهم التنقل بين القرى آمنين ليلا ونهارا .


ولكنهم بطروا هذه النعمة وطلبوا أن يبعد الله بين أماكن أسفارهم كما فعل اليهود مع موسى عندما طلبوا مما تنبت الأرض من الفول والعدس فقال لهم انزلوا الأمصار البعيدة واطلبوا منها ما تريدون .


فمزق الله شملهم وجعلهم أحاديث للناس يحكون من خبرهم وكيف أن مزق الله شملهم بكفرهم .


ولعل فى قصتهم عبرة وعظة لكل من صبر على طاعة الله وشكره حق شكر نعمته .


الآيات 20 ـ 23


( ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك ، وربك على كل شئ حفيظ * قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ، لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ، قالوا الحق ، وهو العلىّ الكبير )


وهذا هو ما توعد إبليس من غواية ذرية آدم حين طرد من رحمة الله بعصيانه وعدم سجوده لآدم ، لقد صدق قوله فى قوم سبأ حين أغواهم من بعد الإيمان وأمرهم بالكفر ودمرهم من بعد عزتهم


إلا من عصم الله من المؤمنين


ولم يكن إبليس يضربهم ولا يضطرهم لعصيان ولكن دعاهم فاستجابوا له


وكان ذلك ليظهر المؤمن من الكافر


والله يشهد على كل ذلك
قل لهم يا محمد اعبدوا ما شئتم وادعوهم فهم لا يملكون شيئا ولا حتى مثقال ذرة من الأرض أو السماء ولن يستجيبوا لكم


ولا يجترئ أحد أن يشفع لكم عند الله إلا من بعد إذنه وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين يأذن له الله


حتى إذا زال الفزع عن قلوبهم سأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم ؟


تناقل الخبر من حملة العرش للذين يلونهم حتى يصل الخبر بأن الله قال الحق وحكم بين العباد فهو العلى الذى لا يعلوه شئ الكبير الذى ليس كمثله شئ .
الآيات 24 ـ 27


( قل من يرزقكم من السموات والأرض ، قل الله ، وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين * قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم * قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء ، كلا ، بل هو الله العزيز الحكيم )


اسأل المشركون يا محمد من الذى يرزقكم


الله تفرد بالألوهية فهو وحده الذى يرزق عباده من السماء والأرض فينزل المطر وينبت الزرع


ولابد من أن أحدنا على حق والآخر على باطل


قل لهم نحن نتبرأ منكم ومما تعملون


وقل لهم إن الله يجمعنا يوم القيامة ويحكم بيننا بالعدل فهو الحاكم العادل الذى يعلم كل شئ


قل لهم أرونى ما تفعل تلك الآلهة التى جعلتم منها لله شركاء


لا بل الله وحده لا شريك له وهو القوى الذى لا يقهر الحكيم فى أقواله وأفعاله .
الآيات 28 ـ 30


( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة ولا تستقدمون )


أنت يا محمد مرسل للناس كافة لتبشر المؤمنين بالجنة وتنذر الكافرين بالجحيم


ولكن مهما حرصت ليس كل الناس بمؤمنين


ويستعجل المشركون بالقيامة ويقولون متى يكون ما توعدوننا به إن صدقتم


فقل لهم إن لكم يوم القيامة ميعاد لا يتقدم ولا يتأخر ولا يتغير


الآيات 31 ـ 33


( وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه ، ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولآ أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ، بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال فى أعناق الذين كفروا ، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون )


يصر الكفار على كفرهم وتكذيبهم وعدم الإيمان بالقرآن ولكن سيكون موقفهم يوم القيامة فى حسرة وذل


عندما يرجع السادة والمستضعفون الذين اتبعوهم يوم القيامة ليتحاجون


فيقول الضعفاء لسادتهم : أنتم الذين صددتونا عن الإيمان به


ويقول السادة نحن لم نمنعكم من الإيمان إنكم كنتم مجرمين ودعوناكم فاستجبتم


فيقول الضعفاء بل إنكم كنتم تمكرون ليلا ونهارا وتمنونا وتأمرونا بأن نشرك بالله آلهة أخرى


ويلقى كلا منهما اللوم على الآخر


( وأسروا الندامة ) : وكل منهما يخفى الندم فى نفسه


ثم تجعل السلاسل فى أيديهم وأعناقهم ويسحبون ليجازى كلٌ على عمله


الآيات 34 ـ 39


( وما أرسلنا فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين * قل ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون * وما أموالكم ولآ أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات آمنون * والذين يسعون فى آياتنا معاجزين أولئك فى العذاب محضرون * قل ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ، وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه ، وهو خير الرازقين )


يخفف الله عن نبيه فيقول له


ـ كذلك كلما أرسلنا رسلا من قبلك فى أقوام فكانت تكذب السادة ويتبعهم الضعفاء


ـ ويقولون نحن أكثر أموالا وأولادا وغرتهم الحياة الدنيا وأصروا على الكفر ونفوا عن أنفسهم أن يعذبوا لكثرة أموالهم وأولادهم


ـ قل لهم أن الله هو الذى يبسط الرزق لعباده أو يقتر عليهم


ـ فلن تغنى عنهم أموالهم من عذاب الله ولم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم


ولن تقربهم إلى الله


ـ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ضعف الجزاء فى جنات آمنين من الخوف ومن العذاب


ـ وأما الذين يسعون فى الصد عن سبيل الله وتصديق الرسل فهم جميعا محضرون للعقاب والعذاب


ـ والله يبسط الرزق لهذا ويضيق على هذا فله حكمة لا يدركها أحد غير الله ومهما انفقتم من شئ فيما أمركم الله فهو يعوضه لكم إما بدلا منه فى الدنيا وإما بالثواب والجزاء فى الآخرة .


الآيات 40 ـ 42


( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ، بل كانوا يعبدون الجن ، أكثرهم بهم مؤمنون * فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها تكذبون )


ويوم القيامة يجمع الله الخلائق


ويسأل الملائكة هؤلاء المشركون الذين كانوا يعبدونكم فى الدنيا من دونى فهل أمرتوهم بذلك ؟


فيقول الملائكة : تعاليت وتقدست عما فعل هؤلاء فنحن عبيدك ونتبرأ مما فعلوا


إنهم كانوا يعبدون الجن الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وآمن كثير منهم بهم


فاليوم أيها الكافرون لا ينفعكم من عبدتم من دون الله ويقال للمشركين ذوقوا عذاب الجحيم التى كذبتم بها


الآيات 43 ـ 45


( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين * وما آتيناهم من كتب يدرسونها ، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير * وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلى فكيف كان نكير )


وكلما تليت عليهم آيات القرآن يقول الكفار عن محمد صلى الله عليه وسلم إن هذا رجل يريد أن يتفضل عليكم ويبعدكم عن دين آبائكم ويريدون بذلك أن يقولون أن عبادة الأصنام هى الحق


وقالوا عن القرآن بأنه سحر وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر


وما أنزل على العرب كتب من قبل القرآن


وما أرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم رسل


وقد كانوا يتمنون ذلك من قبل وقالوا ( لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا ) فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كذبوا به


وقد كذبت أمم من قبلهم ولم يبلغوا من القوة مثل ما بلغ من قبلهم ولكن الله دمرهم بما كذبوا


( فكيف كان نكير ) فكذلك كان عقابى وانتصارى

الآيات 46 ـ 50


( قل إنما أعظكم بواحدة ، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ، ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد * قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، إن أجرى إلا على الله ، وهو على كل شئ شهيد * قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب * قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد * قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى ، وإن اهتديت فبما يوحى إلىّ ربى ، إنه سميع قريب )


قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين يزعمون أنك مجنون :


آمركم بأن تتخلصوا من هوى أنفسكم وعصبيتكم ويسأل بعضكم بعضا وتتفكرون هل ما تزعمونه حقا بأن محمد مجنون ؟


وقل لهم : إنما آتيكم لأنذركم من عذاب الله الشديد لمن عصى .


ولا أسألكم مال ولا جزاء وإنما أجرى على الله الذى يشهد بينى وبينكم


( قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب ) : إن الله يرسل الملك بالوحى لمن يشاء من عباده وهو يعلم كل شئ فى الأرض والسماء ويعلم الغيب


( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) : إن الحق جاء من عند الله ليبطل الباطل ويقضى عليه وما يبقى له من سيادة .


فالخير من عند الله ولو ضليت فعلى نفسى وإن اهتديت فالهدى من عند الله


والله قريب يسمع ويرى


الآيات 51 ـ 54


( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب * وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد * وقد كفروا به من قبل ، ويقذفون بالغيب من مكان بعيد * وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ، إنهم كانوا فى شك مريب )


يقول سبحانه وتعالى :


هؤلاء المكذبون يوم القيامة تراهم فى فزع


( فلا فوت ) : ولا مفر لهم ولا ملجأ


(وأخذوا من مكان قريب ) : وأخذوا فورا من أول وهلة فلم يتمكنوا من الهرب .


ويقولون عندئذ آمنا بالله والملائكة والرسل


( وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) : ولكن كيف لهم هذا التمنى بالإيمان والدنيا أصبحت بعيدة عنهم


ولقد كفروا من قبل فى الدنيا فكيف يؤمنون فى الآخرة


(ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) : وكانوا من قبل يكفرون ويكذبون ظنا


(وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) : وحيل بينهم وبين مقدرتهم على التوبة فقد فات الوقت


( كما فعل بأشياعهم من قبل ) : كما حدث لمن سبقهم من الأمم السابقة


( إنهم كانوا فى شك مريب ) : فقد كانوا فى الدنيا فى شك وريبة فلا يقبل منهم توبة فى الآخرة .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تمت بحمد الله تعالى .


الأربعاء، 20 أبريل 2011

الزمر

تفسير سورة الزمر



بسم الله الرحمن الرحيم


الآيات 1 ـ 4


( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص ، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فى ما هم فيه يختلفون ، إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار * لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ، سبحانه ، هو الله الواحد القهار )


القرآن العظيم منزل من عند الله القوى منيع الجانب الحكيم فى أقواله وأفعاله وأقداره


فاعبد الله وحده لا شريك معه وأخلص له العبادة


ولا يقبل الله من الأعمال إلا ما خلص منها له وحده


هؤلاء الكفار يقولون عن الأصنام ليشفعوا لهم عند الله فهم يعتبرونها صور للملائكة المقربة من الله ويقولون أنها تقربنا من الله لمنزلتها عنده


وهذا كذب وافتراء على الملائكة وكذب على الله والجميع عبيد لله وحده خاضعين له


والله يحكم يوم القيامة بين العبادفيما اختلفوا فيه


والله لا يرشد من ضل فى الدنيا وتعمد الكذب


ويرد الله على اليهود والنصارى ويقول بأنه واحد أحد وليس له ولد


ولو أراد اتخاذ الولد لأختار أصفاهم وليس ما يزعم الكفار


فتنزه الله عن اتخاذ الولد وهو الواحد الأحد القاهر فوق عباده عنى عمن سواه وذلت له الرقاب .


الآيات 5 ، 6


( خلق السموات والأرض بالحق ، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ، وسخر الشمس والقمر ، كلٌ يجرى لأجل مسمى ، ألا هو العزيز الغفار * خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ، يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ، ذلكم الله ربكم له الملك ، لآ إله إلا هو ، فأنى تصرفون )


يخبر الله تعالى أنه خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهن وأنه يقلب الليل والنهار وسخرهما يجريان إلى أجل مسمى متعاقبين وسخر الشمس والقمر لمدة يعلمها حتى يوم القيامة


وهو عزيز قوى لا يغالب ومع ذلك فهو غفار لمن تاب وأصلح ورجع إليه


خلق الإنسان من نفس واحدة وهو آدم عليه السلام بالرغم من اختلاف ألوان الناس وأجناسهم وأشكالهم ولغاتهم


وخلق من ضلع آدم حواء زوجة له


وخلق من الأنعام ثمانية أزواج ( من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين )


وقدر الناس فى بطون أمهاتها طورا بعد طور ( من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم إنسان متكامل من لحم وعظم ودم وعروق ثم نفخ فيه الروح )


وذلك فى ظلمات ثلاث هى ظلمة الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن


فهذا الذى خلق كل ماسبق هو الله وحده لا شريك له


فإلى أين ينصرف الكفار والمشركين بالعبادة لغيره سبحانه


الآيات 7 ، 8


( إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ، ولا يرضى لعباده الكفر ، وإن تشكروا يرضه لكم ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ، إنه عليم بذات الصدور * وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ، قل تمتع بكفرك قليلا ، إنك من أصحاب النار )


يقول سبحانه أنه الغنى عن عباده ، ولا يحب ولا يأمر عباده بالكفر إنما يحب أن يشكر عباده حتى يزدهم من فضله


وكل نفس محاسبة عن ذاتها ولا يحمل أحد وزر الآخر


وإلى الله المرجع فلا تخفى عليه خافيةويخبر كل نفس بما عملت


وهذا هو الإنسان إذا أصابته مصيبة لجأ إلى الله ودعا وتضرع إليه ليستغيث به


ثم إذا كان فى رفاهية ونعمة نسى ما كان من ضيق ونسى ربه وكفر وجعل له الشركاء إلا من عصم الله


فقل لهؤلاء يا محمد تمتعوا فى الدنيا قليلا وسوف تلقون نتيجة عملكم يوم الحساب عندما تلقون فى النار .


الآية 9


( أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ، قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولوا الألباب )


لا يتساوى عند الله الكافرون الذين وصفهم فى الآية السابقة والمؤمنون الذين يخشون الله ويترقبون الآخرة ويتمنون رحمة الله ومغفرته


مثلما تماما لا يتساوى الذى يعلم والذى لا يعلم


إن المؤمنون هم أصحاب العقول التى تميز بين الحق والباطل .


الآيات 10 ـ 12


( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ، للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ، وأرض الله واسعة ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب * قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين )


ينصح الله المؤمنين بأن يصبروا ويستمروا على طاعة الله وتقواه ولمن أحسن العمل الخير فى الدنيا والآخرة


وينصحهم بأن يهاجروا فى أرض الله الواسعة جهادا فى سبيل الله والبعد عن الأوثان


ويعدهم بالأجر الوفير جزاء لصبرهم


وقل لهم يا محمد بأنك أمرت بالإخلاص فى عبادة الله وأأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده


وأنك يا محمد أول من أسلم من أمته


الآيات 13 ـ 16


( قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصا له دينى * فاعبدوا ما شئتم من دونه ، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين * لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ، ذلك يخوف الله به عباده ، يا عباد فاتقون )


قل يامحمد للكافرين : بالرغم من أنك رسول الله فأنت تخشى الله وتخاف معصيته وتخشى عذاب يوم القيامة


قل لهم أنك تعبد الله وحده وتتبرأ منهم ومما يعبدون من دون الله لأنهم هم الخاسرون يوم القيامة وخاسرون أبناءهم وأولادهم وأنفسهم يوم الحساب فلا اجتماع لهم معهم فى النار ولا سرور


ففى النار تحيط بهم دخان النار والعذاب


فاتقوا الله لتنجوا من العذاب


الآيات 17 ـ 18


( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ، فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولوا الألباب )


ومن يبتعد عن عبادة الأوثان واتجه لعبادة وطاعة الله الواحد فلهم البشرى بالجنة وحسن الثواب فى الدنيا والآخرة فبشرهم يا محمد


بشر هؤلاء الذين إذا سمعوا قولا تدبروه واتبعوا أفضل الأعمال هؤلاء الذين هداهم الله وحباهم عقول راجحة


الآيات 19 ـ 20


( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار * لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار ، وعد الله ، لا يخلف الله الميعاد )


إنك لن تقدر أن تنقذ من كتب الله عليه أنه فى عذاب النار ولا تهديه من بعد الله


أما من كتب لهم أنهم سعداء فلهم نعيم مقيم فى الجنة ، يسكنون قصورا طبقات مبنية عالية ينعمون بأنهار من الخير لا نفاذ لها


وهذا هو ما وعدهم الله به والله لا يخلف وعده


...........................


عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة ليتراءون فى الجنة أهل الغرف ، كما تراءون الكوكب الدرى الغارب فى الأفق الطالع فى تفاضل أهل الدرجات " فقالوا : يا رسول الله ، أولئك النبيون ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " بلى والذى نفسى بيده وأقوام آمنوا بالله وصدّقوا الرسل " .


الآيات 21 ـ 22


( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ، إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب * أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، أولئك فى ضلال مبين )


يوضح الله هنا أن الماء ينزل من السماء ثم يكون فى الأرض الينابيع والأنهار ويسقى به الزروع التى تنبت الثمار مختلفة الأنواع ومختلفة الطعم والشكل واللون والرائحة والمنفعة


وبعد ذلك يكبر الزرع وييبس ويتحطم مثله فى ذلك مثل الإنسان وباقى المخلوقات ....... فاعتبروا يا أصحاب العقول .


فلا يتساوى من فتح الله قلبه وشرحه للإسلام وامتلأ بنوره كمن هو قاسى القلب لا يتأثر بذكر الله


فالويل والعذاب لمن كان فى ضلال ولم يخشع .


الآية 23


( الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ، ومن يضلل الله فما له من هاد )


لقد جعل الله القرآن كلماته متشابهة وآياته متشابهة ومعانيه متشابهة ليفهمه الناس


و( مثانى ) يذكر فيه الشئ وضده كذكر المؤمن والكافر ، والأبرار والفجار ، وصفات الجنة وصفات النار ، وتكرار ذكر الأنبياء فى مواضع مختلفة ............... وهكذا .


إذا سمعه المؤمنون ولما يسمعون من التهديد والوعيد تقشعر جلودهم من خشية الله والخوف من عذابه وتمنى ثوابه


وتتحول هذه الخشية والقشعريرة إلى ميل القلب للطاعة وذكر الله ويميلون لرحمته وعفوه عز وجل .


وهذا هو الهدى الذى يهدى به الله من آمن من عباده ومن شاء منهم


ولكن من أضله الله فليس له من يهديه من بعد الله بظلمهم .


الآيات 24 ـ 26


( أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون * كذّب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * فأذاقهم الله الخزى فى الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أكبر ، لو كانوا يعلمون )


فلا يستوى من يلقى فى النار يوم القيامة بغير حساب والذين هم آمنون من العذاب سعداء فى الجنة


افعلوا ما يحلوا لكم من خير وشر فالله يعلم ويرى كل أفعالكم وستجزون عليها


فقد كذبت أقوام من قبلهم فى العصور القديمة فأهلكهم الله وعذبهم بذنوبهم


وأذاقهم من العذاب بما أنزل عليهم فى الدنيا وعذاب الآخرة سيكون أعظم من ذلك


فليتهم كانوا يعلمون ليتقوا العذاب


الآيات 27 ـ 31


( ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرآنا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون * ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون )


يقول تعالى :


ـ لقد بينا للناس بالأمثلة فى القرآن لكى يعتبروا


ـ فالقرآن باللغة العربية الواضحة لا عوج فيها ولا شك ولا لبس لعل الناس تحذر الوعيد ويعملون للفوز بالوعد


ـ وهنا يضرب الله مثلا برجل هو عبد لشركاء فيتنازعون عليه


ورجل آخر هو عبد لرجل واحد فلا تنازع


كذلك المشرك الذى يعبد آلهة مع الله والمؤمن الذى لا يعبد إلا الله ..... لايتساويان


ـ فأنت يا محمد ستموت وهم يموتون ثم يحكم الله بينكم يوم القيامة


والعموم هو أهل الإيمان وأهل الكفر يحكم الله بينهما يوم القيامة .


الآيات 32 ـ 35


( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه ، أليس فى جهنم مثوى للكافرين * والذى جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاؤن عند ربهم ، ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون )


ليس هناك ظالما أكثر من المشرك الذى جعل مع الله آلهة أخرى إفتراء عليه


إنهم مثواهم جهنم وبئس المصير


أما الرسول الذى جاء بالرسالة عن ربه وهو جبريل رسول الملائكة والنبى محمد الذى صدق بما جاءه ومن اتبعوهم بالتصديق فهم المؤمنون المتقون ولم يشركوا بالله


لهم كل ما يتمنون من الله من حسن الجزاء


وسوف يغفر الله لهم جميع سيئاتهم مهما بلغت ويكافئهم بأحسن ما عملوا .
الآيات 36 ـ 40


( أليس الله بكاف عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه ، ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل ، أليس الله بعزيز ذى انتقام * ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ، قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته ، قل حسبى الله ، عليه يتوكل المتوكلون * قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل ، فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم )


ـ يكفى الله من عبده وأحسن طاعته


ـ والمشركين يخوفون الرسول والمسلمين بأصنامهم وآلهتهم التى يضلونهم


فالله يضل الكافرين ويهدى من لجأ إليه ومن أعز الله فليس له من مضل


ـ والله عزيز قوى الجانب لمن أطاعه ومنتقم من المشركين


ـ ولو سألت المشركين من يكون خالق السموات والأرض فهم يعترفون أنه الله خالقهما ، ويعبدون من دونه شركاء


ـ فقل لهم هل تنفعكم أو تضركم شركاءكم ؟


ـ قل لهم الله يكفينى وأتوكل عليه


ـ فافعلوا ما شئتم وأنا على طريقتى وسوف تعلمون من منا على حق حين يأتيكم العذاب فى الدنيا والحريق الدائم فى النار يوم القيامة .


الآيات 41 ، 42


( إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ، فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما أنت عليهم بوكيل * الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها ، فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون )


لقد أنزلنا القرآن بالهداية لتنذر الناس إنسا وجنا فمن اتبعك فإنما يعود ذلك عليه بالخير ومن بعد عن الطريق فإنما إثمه على نفسه وأنت لست موكلا بأن يهتدوا


الله هو المتصرف فى أحوال العباد


فهو عند النوم يمسك الأرواح للحظة الراحة الجسدية فتروح وتجئ وتتقابل مع الأرواح الأخرى ثم يتركها لتعود بالجسد لأجل معين ، والتى قضى بموتها فهى لا تعود للجسد ثانية وتنتهى فترة المحيا على الأرض


أوصى النبى صلى الله عليه وسلم عند النوم فقال : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخله إزاره ، فإنه لا يدرى ما خلفه عليه ، ثم ليقل باسمك ربى وضعت جنبى وبك أرفعه إن أمسكت نفسى فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " .


الآيات 43 ـ 45


( أم اتخذوا من دون الله شفعاء ، قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا ، له ملك السموات والأرض ، ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )

إن الكفار يتخذون أصناما وأندادا ليعبدونها من دون الله فهل تلك الأصنام التى لا تعقل ولا تملك حولا ولا قوة ستشفع لهم


قل لهم يا محمد أن من يملك الشفاعة كلها هو الله وحده


وله ما فى السموات وما فى الأرض جميعا ويملككم وترجعون حتما إليه ليحاسبكم على ذلك


عجبا لهؤلاء الكفار فعند ذكر الله تنقبض قلوبهم التى لا تقبل الخير وإذا ذكرت لهم الأصنام فإنهم يفرحون ويسرون


الآيات 46 ـ 48


( قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون * ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون * وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون )


قل أنت يا محمد ومن معك وادع الله : اللهم أنت ( فاطر ) جاعل السموات والأرض على غير مثال سابق لها


وأنت تعلم الغيب والعلانية ( الشهادة )


وأنت تفصل بين عبادك يوم القيامة فيما اختلفوا فيه


ولو أن المشركون لهم ما فى الأرض كله وعليه مثله قدموه ليفتدوا أنفسهم من شديد عذاب الله يوم القيامة فلن يُقبل منهم


وسيظهر لهم الله من العذاب والنكال ما لم يتوقعوا


وسيظهر لهم ويلقون عقاب ما فعلوا ويلحق بهم عقاب ما استهزءوا به فى الدنيا .


الآيات 49 ـ 52


( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هى فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا ، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون )


وهذا هو الإنسان إذا أصابته مصيبة لجأ إلى الله ودعا وتضرع إليه ليستغيث به


ثم إذا كان فى رفاهية ونعمة نسى ما كان من ضيق وظن أن ذلك من فرط فراسته وحسن تدبيره ونسى ربه وكفر وجعل له الشركاء إلا من عصم الله


ولكن هذا اختبار من الله ولكن هم لا يعلمون ذلك .


ولقد قال مثل قولهم من سبقهم من أمم ، فقد كانوا أشد منهم وأقوى منهم بما أثروا فى الأرض وبما كان لديهم من أموال وعلم وبأس ، فلم تغنى عنهم أموالهم من عذاب الله ولم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم


وقد لقوا نتيجة عملهم السيئ


وكذلك هؤلاء الكفار أيضا سيصيبهم جزاء ما عملوا وسيجزون وما هم بمعجزين الله


فإن الله يوسع الرزق على من يشاء ويضيق على من شاء من عباده


وهذا ليعتبر أصحاب العقول .


الآية 53


( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم )


وتلك دعوة عامة للكفار والمشركين والعصاة إلى رحمة الله والتوبة فهو كريم يغفر لمن تاب ، ويعفوا عن من أناب إليه وعاد


يطمئن عباده إلى رحمته الواسعة ويدعوهم إليه فهو الرحيم وهو الغفار


وسبب نزول الآية :


أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا وأكثروا فجاؤا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذى تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل قول الله عز وجل .


الآيات 54 ـ 59


( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون *واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين )


عودوا إلى الله واستسلموا إليه من قبل أن تحل نقمة الله وعذابه ولن تجدوا من ينصركم من العذاب


اتبعوا ما جاء لكم فى القرآن من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم فى غفلة


حيث عندها تتحسر كل نفس على ما عملت وفرطت فى حق نفسها وتتذكر سخريتها فى الدنيا


أو تتمنى نفس عندما تلقى العذاب أن لو كان الله هداها لتنقذ من العذاب أن تتمنى نفس عند وقوع العذاب بها لو أنها تعود الدنيا ثانية لتعمل صالحا


فيقال لها لا عودة ولا مغفرة بعد ذلك فقد جاءت العبرة والموعظة والدعوة فى الدنيا فكذبت وتعاليت وكفرت بالله


الآيات 60 ، 61


( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ، أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين * وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون )


ويوم القيامة تسود وجوه وتبيض وجوه


فأما المشركون والذين ادعوا لله الولد تبدو وجوههم مسودة يوم القيامة بما افتروا على الله من كذب


وجهنم هى المثوى المناسب لهؤلاء الكفار


أما من آمن بالله واتقى وعمل صالحا فينجيهم الله ويفوزون بالجنة ولا يمسهم سوء ويطمئنهم الله فلا يحزنون .


الآيات 62 ـ 66


( الله خالق كل شئ ، وهو على كل شئ وكيل * له مقاليد السموات والأرض ، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون * قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين )


الله هو الذى خلق الأشياء كلها


وهو وكيل بها متصرف فيها وتحت إمرته وتدبيره


يملك خزائن الأرض والسموات وبيده جميع الأمور


والذين كفروا حجتهم باطلة


قل لهم هؤلاء الجاهلون كيف يدعونك لعبادة غير الله


من بعد أن نزل إليك الوحى وأيقنت بوحدانية الله وقدرته وعظمته


فلو أطعتهم سيحبط عملك وتخسر


قل لهم إنك تعبد الله واشكره على نعمة الإسلام والإيمان وأخلص له العبادة


الآية 67


( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون )


عندما عبد المشركون غير الله فهم لم يقدروا الله حق قدره


بالرغم من أن الله يملك السموات والأرض ويقدر عليها جميعا وهو العظيم الذى لا مثيل له


وكل شئ تحت سيطرته وقهره


ويوم القيامة كما قال رسول الله " يقبض الله تعالى الأرض ويطوى السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض " .


فسبحانه تنزه وتقدس عما يشركون فى عبادته .


الآيات 68 ـ 70


( ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون )


ويوم القيامة ينفخ إسرافيل فى البوق فيصعق جميع من فى السموات والأرض إلا من شاء الله
وينفخ ثانية فيقومون أحياء مرة أخرى ليفصل ويحكم الله بين العباد


وتضئ الأرض بنور الله وتعرض الأعمال فى الكتاب


ويأت الله بالأنبياء والرسل شهداء على أقوامهم


وتأت الملائكة


ويحكم الله بين العباد بالحق والعدل ولا تظلم نفس عند الله


وكل نفس تجد نتيجة عملها فالله يعلم ما يفعلون من خير أو شر


الآيات 71 ، 72


( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ، حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ، قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ، فبئس مثوى المتكبرين )


ويساق الكفار فى جماعات إلى الجحيم وعندما يصلوا إليها تفتح لهم الأبواب ويؤنبهم الملائكة من خزنة النار الغلاظ الشداد ويلعنوهم ويؤنبوهم فيقولون ألم ترسل لكم الرسل والأنبياء ليحذروكم من هذا اليوم ولم تطيعوهم وعصيتم فذوقوا عذاب الحريق خالدين بما عملتم واعترف الكفار والجناة


وحق عليهم العقاب الخالد فيها


وبئس هذا من عقاب


الآيات 73 ـ 74


( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ، حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين )


وكذلك يساق المؤمنين إلى الجنة جماعات وتفتح لهم أبوابها ويسلم عليهم الملائكة ويدعون لهم ويرحبون بهم خالدين فى الجنة والنعيم


ويحمدون الله الذى صدق لهم وعده بالجنة لمن صبر وآمن وعمل صالحا وتبدل الأرض غير الأرض حيث وصفه الرسول تربة الجنة فقال " درمكة بيضاء مسك خالص "


الآية 75


( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين )


وبعد ذكر أهل الجنة وأهل النار يذكر سبحانه الملائكة بأنهم يلتفون حول عرش الرحمن يسبحون الله ويعظمونه ويحمدونه وانتهى الأمر وحكم الله بين العباد بالحق والعدل


ويحمد الكون ومن فيه الله على عدله وحكمه .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمت بحمد الله تعالى .